رسالة إلى بندر… في عزلة المنصفين
بقلم ــ تركي بن فهد الثنيان
اخي بندر الأحب،
ما أشد ما يثقل على الإنسان، لا حين يخطئ، بل حين يعلم يقينا أنه أخطأ، ثم يجد نفسه واقفا على حافة كلمة واحدة، كلمة لو قالها، سقط عنه عبء الوهم، وسقط معه شيء آخر لم يكن يظن أنه قابل للسقوط: صورته في أعين الآخرين، وربما في عينه هو.
إن الخطأ، يا اخي بندر الأحب، ليس نادرا، فهو من طبيعة الإنسان، ومن طينته التي لم تعرف العصمة. ولكن الاعتراف به هو الذي صار نادرا، كأنه مقام لا يبلغه إلا من رضي أن يخسر شيئا من صلابته، ليحفظ شيئا من صدقه.
لقد رأيت الناس لا ينكرون لأنهم يجهلون، بل لأنهم يدركون ثمن الإقرار. فالإقرار لا يغير الواقعة، بل يغير موقعك منها. ينقلك من حصن المدافعين، إلى عراء المنصفين. ومن كان في الحصن، ظن نفسه آمنا، ولو كان الحصن مبنيا على وهم.
ينصر الإنسان نفسه، لا لأنها على حق، بل لأنها نفسه. يذب عنها، لا لأنها تستحق النجاة، بل لأنها آخر ما يملك. كأن النفس عند صاحبها آخر أرض، إن تخلى عنها، صار بلا مأوى.
وكنت، في زمن مضى، أرى الاعتراف رفعة، وأرى الإنصاف سيادة، وأحسب أن الإنسان إذا قال: أخطأت، ازداد في أعين الناس قدرا. ثم علمت أن العالم لا ينظر دائما بعين العدل، بل بعين الغلبة. لا يسأل: من كان أصدق؟ بل يسأل: من كان أصلب؟
وهنا، يا اخي بندر الأحب، ولد في نفسي تساؤل لم أجد له قرارا:
أكان اعترافي فضيلة… أم كان ثغرة؟
أكنت قويا حين أنصفت نفسي، أم كنت ساذجا حين كشفت لهم موضع ضعفي؟
أكان النبل درعا، أم كان بابا مفتوحا لمن لا يعرفون النبل؟
لقد رأيت أن الذين لا يعترفون، لا يعيشون دائما في صراع، بل يعيشون في سلام غريب، كأنهم أقنعوا أنفسهم برواية أخرى، حتى صار الإنكار عندهم حقيقة بديلة، لا تحتاج إلى دفاع.
أما الذي يعترف، فإنه لا يملك هذا الترف. يبقى واقفا أمام نفسه، لا يبدل الحقيقة، ولا يخفف وطأتها، ولا يهرب منها. يرى نفسه كما هي، دون ساتر، ودون عزاء.
وهنا تبدأ العزلة.
ليست عزلة الجسد، بل عزلة النفس حين تدرك ما لا يريد الآخرون إدراكه. عزلة المنصف حين يكتشف أن الإنصاف لا يحميه، بل يكشفه. وأن العالم قد يغفر لك كل شيء، إلا أن تكون صادقا على نحو يفضح هشاشة الأقنعة من حولك.
ولست أقول هذا ادعاء للنقاء، ولا تبرؤا من نقص، فإني أعلم من نفسي ما يكفي لأبقى متواضعا أمام حقيقتها. ولكنني أدركت أن الإنسان إذا خسر صدقه مع نفسه، فلن تنفعه كل انتصاراته أمام الناس.
ولهذا، أقف اليوم بين يقينين كلاهما مر:
أن تنكر، فتبقى صلبا في أعينهم، ولو تصدعت في عين نفسك.
أو تعترف، فتبقى صلبا في عين نفسك، ولو سقطت في أعينهم.
فأيهما النجاة، يا اخي بندر الأحب؟
أن تحمي صورتك… أم تحمي حقيقتك؟
لعل النزاهة ليست قوة كما ظننا، وليست ضعفا كما يخشون، بل هي عبء لا يحتمله إلا من رضي أن يعيش بلا أقنعة، وأن يرى نفسه كما هي، لا كما يتمنى أن تكون.
فإن وجدت عندك جوابا، فقد وجدت بعض الطمأنينة،
فما عهدتك إلا مرآتي حين يعجزني فهم نفسي،
ولا ملاذا ألوذ إليه حين يثقل علي صدقي.
تركي بن فهد الثنيان



إرسال التعليق