18:22:25

28/11/2019

قوافي الروايات!

28/11/2019

21

متابعات

ـ أحيانًا أقول: ليتني لم أقرأ لرولان بارت!. أقولها: بحُرقة سعيدة، تشبه حرقة العاشق إذ يقول: ليتني لم ألتق بكل هذا الجمال!. ومثلما يقال عن الفلسفة إنها كانت قبل هيوم شيئًا ثم صارت بعده شيئًا آخر تمامًا، أقول: القراءة كانت قبل رولان بارت شيئًا وهي بعده شيء آخر تمامًا!.
ـ قبل أن أسترسل، أنبّه إلى أمر غريب: كل من قرأت لهم، ممّن كتبوا عن رولان بارت، أو كتبوا باتّباع منهجه أو بتأثير ذلك المنهج عليهم، عقّدوا الأمور وصعّبوها!. حاصوا ولاصوا!. وأتعبوني معهم!. في حين أن قراءة رولان بارت لا تكشف إلا عن بساطة نادرة، واستثنائية بلا مثيل فيما يتعلّق بالربط والتشويق!.
ـ بعد رولان بارت صارت كل حكايات العالَم حكاية واحدة، مع صحّة العكس، حيث كل حكاية هي حكايات لا حصر لها!. مثل هذا الدمج والتشظّي، والرأب والتّصدّع، يمكن الوصول إليه بأكثر من طريقة، والإحساس به، والإشارة إليه، سابقة لرولان بارت بكثير، صدح بها كعب بن زهير: “ما أرانا نقول إلا رجيعًا… أو مُعادًا من قولنا مكرورا”!.
ـ فما الذي فعله رولان بارت؟!، منهج الأمر وصاغ أدوات الحفر فيه وهندس طرُق تتبعه وكشفه!. بحرفنة ودهاء وببساطة هي العمق كله أو تكاد!.
ـ كيف نقرأ الشعر؟! نقرؤه بيتًا بيتًا، أو مقطعًا مقطعًا، ثم تتشكّل قراءتنا الكبيرة للقصيدة من قراءاتنا الصغيرة لكل جملة أو شطر أو بيت أو مقطع على حِدَة!.
ـ للقافية في الشعر مهمّة عجيبة، غير الوقع الموسيقي العظيم وإن كانت تتشكّل عبر هذا الوقع. كل قافية تتيح لنا فرصة التقاط الأنفاس قليلًا، وفي هذا الالتقاط السريع للنّفَس نكون قد عزلنا ما قبل القافية عمّا بعدها، عزلًا شفيفًا، سريعًا، لكنه يسمح لنا بتذوّق القصيدة كلمة كلمة، وجملة جملة، وشطرًا شطرًا، ثم نعود سريعًا للوصل والمواصلة!. مع الاستفادة من القدرة على القطع والعزل، بحيث يمكننا سريعًا، في الوعي وفي اللاوعي، استعادة شطر بعيد ودمجه بسطر جديد، فيتجدد المعنى في القصيدة كلها!.
ـ كما أنه يمكن لمثل هذه الوقفات الصغيرة، أن تنجح كثيرًا باستدعاء أصوات شعراء آخرين، ركضت خيلهم على نفس الأرض، فوقعت الحوافر على الحوافر!.
ـ رولان بارت فعل الأمر ذاته مع الرواية، باختصار: رقّمها!. وهيّأ الذهن والوجدان لترقيمها سطرًا سطرًا، صارت الفاصلة بين جملتين في أي رواية تعمل عمل القافية في الشعر!. وفي واحدة من أهم أطروحاته رقّم فعليًّا، وليس مجازيًّا، عملًا لبلزاك، بدأ من العنوان ورقّمه”1″، تبعه بترقيم كل جملة تقريبًا، إلى: “”560” لا أحد يستطيع أن يتعرّف عليّ. أنا فخورة بهذا. “561” وبقيتْ المركيزة غارقة في التفكير”!. وبهذا أسس أحد أهم كتبه، كتاب: “س/ز”!.
ـ بعد رولان بارت أنت لا تقرأ الرواية كمجموعة من الصفحات، ولا الفصول طبعًا، لكنك تقرؤها قراءتك للشعر!. المسألة ليست سهلة، لكن بالتدريب عليها، يصير الأمر ممتعًا على نحو لم يسبق للقراءات قبل رولان بارت الوصول إليه. ممتعًا وعظيم الثّراء!.

أضف تعليق