18:22:25

27/03/2014

(عشوائية التصوير).. ضبابية التجريم ومأزق الانفلات

27/03/2014

33

في مايو 2013، وفي حادثة بالتأكيد ليست الوحيدة، قال المتحدث الرسمي للهلال الأحمر في جازان إن إحدى فرقه باشرت حادثاً، راح ضحيته عائلة تناثرت جثثهم خارج السيارة؛ ما أدّى إلى كشف عوراتهم. وفي موقف مستهجن، قام ثلاثة شباب بتصوير الجثث دون أي مراعاة لحُرمة الموتى؛ فحدثت بعد ذلك مشادة، انتهت بالاعتداء على فريق الإسعاف بعد وصولهم بالضحايا للمستشفى!

 

أيضاً، بالأمس القريب أمر وزير الداخلية الأمير محمد بن نايف بالإيقاف والتحقيق لأفراد من الأمن؛ خالفوا مبادئ وقواعد وضوابط العمل الأمني، من خلال تصوير ونشر لقطة فيديو لمسرح جريمة، التي خلال لحظات وجدت طريقها لمواقع “تويتر” و”يوتيوب” عبر قناة “واتس أب”.

الأكيد أنه وبشكل شبه يومي يتم تصوير الكثير دون علمهم، كما يتم تسريب الكثير من الخطابات والتقارير السرية، وكذلك المقاطع والصور، ومعظمها يحمل الإساءات، ويسيء للوطن، وبعضها أيضاً – وبدرجة الأهمية نفسها – يكشف التقصير والخلل.

 

 – تنظيمات حكومية خجولة:

  بداية، هل يمكن وصف كل القوانين والتنظيمات بحراك حقيقي للتصدي لظاهرة ومحاولة مسك العصا من المنتصف، فلا إفراط ولا تفريط؟

 

البداية الأكثر تداولاً كانت عندما كشف رئيس الهيئة العامة للإعلام المرئي والمسموع الدكتور رياض نجم عن اعتزام الهيئة فرض رقابة على المحتوى المرئي الذي يعرض في مواقع إلكترونية عدة، منها “يوتيوب”. مضيفاً: “لا توجد دولة في العالم تسمح بعدم وجود رقابة. والاختلاف بين دولة وأخرى بحسب العادات والتقاليد في كل مجتمع”.

 

غير أن ذلك – بطبيعة الحال – اعتبره المغردون “هياطاً” لرئيس هيئة الإعلام المرئي. فمن المستحيل مجاراة تقدم التقنية ووسائل التواصل الاجتماعي برقابة كهذه، وخصوصاً أن السعوديين لديهم نشاط مهول، ويبثون مقاطع تُعتبر ذات أثر وبُعد كبير في تشكيل الرأي العام.

 

ما زلنا في محطة هيئة الإعلام المرئي؛ إذ ذكر مصدر فيها لـ”العربية نت” أن هناك قانوناً قادماً لتقنين التصوير المسيء. المصدر أعاد التذكير بأنّ هناك قانوناً يمنع مثل هذه الأفعال، لكن الجهات لا تطبقه في الوقت الحالي. الهيئة أكدت أن التصوير في الأماكن العامة مسموح به إلا في حالة وجود لوحة رسمية من قِبل الجهات المختصّة تأمر بعكس ذلك.

 

أبرز الجديد كان قبل أيام عندما شددت هيئة التحقيق والادعاء العام على المحاكم بتشديد وتغليظ العقوبات في 12 جريمة تعزيرية، جاء منها “تصوير المصابات تحت البنج”، وهو – كما نرى – اجتزاء؛ كان المنتظر منه أكثر من ذلك.

 

–  الرأي الديني:

 الرأي الديني جاء في 12 فبراير 2013 عندما أكد عضو هيئة كبار العلماء الشيخ عبدالله المنيع أن المتجمهرين حول الحوادث لاستطلاع الحدث آثمون. وبحسب صحيفة “الرياض”، أجاز المنيع تصوير الحوادث والمصابين للعظة والعبرة، وأنه لا مانع من تداولها عبر مواقع التواصل الاجتماعي وقنوات اليوتيوب.

 

من جهته، أفتى الداعية محمد العريفي بتحريم المستندات والخطابات دون إذن مسبق، وتحريم تصوير الأشخاص دون علمهم، وقال في إحدى خطبه: “ربما صوَّر بعض الناس أشخاصاً آخرين بنية طيبة، كمن يرى أحياناً حادثاً في الطريق؛ فيصوِّر الموتى؛ لينشر ذلك بنية العبرة والعظة. هل استأذنتَ أهله بنشر صورته ميتاً؟ لو كنت مكانه هل تقبل أن تكون عبرة وعظة بين الناس؟!”.

 

–  سابقة “التربية والتعليم”:

جانب الإفراط والمبالغة مثلته وزارة التربية والتعليم بطريقة جعلت الكثير من الآراء تؤكد أن الوزارة تريد حصار كل ما قد يسرَّب من جوانب التقصير. ما حدث هو أن الإدارات التعليمية – وفقاً لتقارير صحفية – منعت التصوير بالمجمل، ولم تسمح بـ”الإذن الخطي”، بالرغم من أن تعميم المنع نص على ذلك وخلافه فليس هناك سوى “المنع التام، ولأي سبب كان”. “التربية” قد لا تلام؛ فقد واجهت مؤخراً ما لا تُغبط عليه. هذا التشدد المبالَغ لم يخلُ من سلبيات، ليس أبرزها العزوف عن الأنشطة الطلابية. الوزارة لا هي حدت من تسريب المقاطع، ولا هي سهَّلت مهام إبراز “المنجز”!

 

هذا، وفيما تطالب أغلب الأقلام الإعلامية بالتأسي بقانون إماراتي، يفرض غرامة تصل لنصف مليون درهم ضد من ينشر صوراً أو مقاطع تنتهك الخصوصية، يقول عضو هيئة حقوق الإنسان الدكتور إبراهيم الشدي إن هيئة حقوق الإنسان تسعى لاستكمال ما ينقص السعودية من تشريعات، وتابع: “نحن نسعى في الهيئة إلى استكمال ما ينقص البلد من تشريعات، أو تصحيح بعضها، وهو أمر ناقص حتى في دول متقدمة، خاصة في مجال حقوق الإنسان والاتفاق معها”.

 

وشدَّد “الشدي” على “مطالبة الهيئة بتجريم من يقوم بتصوير الآخرين من دون علمهم؛ لكي لا تتم إدانة الآخرين وتجريمهم دون إظهار كل الحيثيات. الدولة تمنح حرية تعبير يجب ألا يساء استخدامها”.

 

– بين تقنين التصوير ووهم “الخصوصية”:

 أغلب الأصداء على مشروع القانون المنتظر لم تكن متفائلة، وخصوصاً على مواقع التواصل؛ فالتهكم موجود بشكل كبير. يقول بعضهم: “الحد من التصوير العشوائي؟! سوف نحاول أن نحدد ما نريد تصويره قبل الخروج من المنزل”.

 

 وقال آخر: “بعد انتشار مقاطع التحرش تجلت الخصوصية السعودية، وبدأ التفكير في قوانين تمنع التصوير بدلاً من قوانين تمنع التحرش!”.

 

هذا، وبينما رأى آخرون أن تقنين التصوير سيمنح الحرية للمتحرش تساءل بعضهم “ما الفائدة من وضع قانون يستحيل تطبيقه؟”. وأضاف آخر بأنه “لا توجد كاميرات مراقبة أمنية في الأماكن العامة!! غباء؟ ذلك سيحمي فقط المسؤول المقصِّر”.

 

 من جهته، يقول الكاتب عبدالرحمن الراشد: “نحن في عالم تفاعلي؛ ما نكتبه نسمع صداه لحظياً. التراخيص لم تعد ضرورية للتواصل. السعودية من أكثر الدول استهلاكاً للهواتف التفاعلية، بل يضعها تقرير الأمم المتحدة بوصفها أكثر بلد في العالم من حيث نسبة الهواتف الجوالة، ففيه 180 هاتفاً لكل مائة شخص. يهاجم المسؤولون بعضهم بعضاً، والفضائح الشخصية لا تتوقف أبداً.. والإباحية، صوراً وفيديوهات ولغة، شاعت أكثر بملايين المرات عما كانت عليه في السابق، ولم يعد هناك ما يمكن السيطرة عليه”.

 

  الكاتب محمد الشمري يحاول تبسيط الفكرة بالاتزان في الطرح قائلاً: “هناك حد فاصل بين الخصوصية والعلانية من وجهة نظر القانون. عندما تكون في مكان عام كالسوق فكل ما يصدر عنك من سلوك يجوز للغير تصويره”.

 

 مضيفاً: “انتقد بعض الحقوقيين قيام فتاة بتصوير رجل حاول التحرش بها في مكان عام ونشر صورته في مواقع التواصل، واعتبروا ذلك من أعمال التشهير الذي يعاقب عليه نظام مكافحة الجرائم الإلكترونية. والحقيقة أن تلك الصور بحد ذاتها ونشرها لا تعدُّ اختراقاً للخصوصية، ولا يجرمها القانون؛ لأنها أُخذت في مكان عام”.

 

 وبالرغم من أن نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية قد نص في البندين الرابع والخامس من المادة الثالثة على تجريم المساس بالحياة الخاصة عن طريق استخدام كاميرا الهواتف النقالة، أو التشهير، وكذلك البند الأول من المادة السادسة، إلا أن جوانب مثل التحرش وتنامي التصوير العشوائي تبدو بحاجة لتقنين أكبر، ووضوح فيما يخص التصوير.

 

 وإذا كانت الجهات المسؤولة قد أصدرت مؤخراً نظام (الحماية من الإيذاء) فإن ذلك في نظر المتابعين ليس سوى جوهرة من عقد منتظر من تشريعات جديدة، وأخرى تحتاج إلى تعديل لمساعدة المجتمع في تعزيز قيم انتُهكت من فئات قليلة، أو لمغالاة تعيدنا عقوداً من السنوات إلى الوراء. 

أضف تعليق